أحمد بن محمد المقري التلمساني
31
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
[ كتاب من لسان الدين يخاطب به السلطان أبا سالم بعد فتح تلمسان ، وقد جعله مقدمة لنونيته السابقة ] وكتب لسان الدين رحمه اللّه قبل هذه القصيدة نثرا من إنشائه يخاطب به السلطان أبا سالم المذكور ، وذلك أنه ورد على لسان الدين وهو بشالة سلا كتاب السلطان المذكور بفتح تلمسان ، وكان وروده يوم الخميس سابع عشر شعبان عام واحد وستين وسبعمائة ، ونصّ ما كتب به لسان الدين : « مولاي فتاح الأقطار والأمصار ، فائدة الأزمان والأعصار ، أثير هبات اللّه الآمنة من الاعتصار ، قدوة أولي الأيدي والأبصار ، ناصر الحقّ عند قعود الأنصار ، مستصرخ الملك الغريب من وراء البحار ، مصداق دعاء الأب المولى في الأصائل « 1 » والأسحار ، أبقاكم اللّه سبحانه لا تقف إيالتكم عند حدّ ، ولا تحصى فتوحات اللّه تعالى عليكم بعدّ ، ولا تفيق أعداؤكم من كدّ ، ميسّرا على مقامكم ما عسر على كل أب كريم وجدّ ، عبدكم الذي خلص إبريز عبوديته لملك ملككم المنصور ، المعترف لأدنى رحمة من رحماتكم بالعجز عن شكرها والقصور ، الداعي إلى اللّه سبحانه أن يقصر عليكم سعادة العصور ، ويذلّل بعزّ طاعتكم أنف الأسد الهصور « 2 » ، ويبقي الملك في عقبكم وعقب عقبكم إلى يوم ينفخ في الصور « 3 » ، فلان من الضريح المقدس بشالة ، وهو الذي تعدّدت على المسلمين حقوقه ، وسطع نوره وتلألأ شروقه ، وبلغ مجده السماء لما بسقت فروعه ووشجت عروقه ، وعظم ببيوتكم فخرا فما فوق البسيطة فخر يفوقه ، حيث الجلال قد رست هضابه ، والملك قد كسيت بأستار الكعبة الشريفة قبابه ، والبيت العتيق قد ألحفت الملاحف الإمامية أثوابه ، والقرآن العزيز ترتل أحزابه ، والعمل الصالح يرتفع إلى اللّه ثوابه ، والمستخبر يخفي بالهيبة سؤاله فيجهر بنعرة العزّ جوابه ، وقد تفيّأ من أوراق الذكر الحكيم حديقة ، وخميلة أنيقة ، وحط بجوديّ « 4 » الجود نفسا في طوفان الضر « 5 » غريقة ، والتحف رفرف الهيبة التي لا تهتدي النفس فيها إلّا بهداية اللّه تعالى طريقة ، واعتزّ بعزّة اللّه وقد توسّط جيش الحرمة المرينية حقيقة ، إذ جعل المولى المقدّس المرحوم أبا الحسن مقدّمة وأباه وجدّه وثيقة « 6 » ، يرى برّكم بهذا اللحد الكريم قد طنب عليه من الرضا فسطاطا ، وأعلق به يد العناية المرينية اهتماما واغتباطا ، وضمن له حسن العقبى التزاما واشتراطا ، وقد عقد البصر بطريقة رحمتكم المنتظرة المرتقبة ، ومدّ اليد إلى لطائف شفاعتكم
--> ( 1 ) الأصائل : جمع أصيل ، وهو الوقت قبيل غروب الشمس ما بين العصر والمغرب . ( 2 ) الأسد الهصور : الذي يكسر فريسته . ( 3 ) في ب « ينفخ فيه الصور » . ( 4 ) الجودي : قيل هو اسم جبل ، وهو من الجود ، وهو الكرم والبذل . ومنه في القرآن الكريم وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ سورة هود ، الآية : 44 . ( 5 ) في ب « طوفان العزّ » . ( 6 ) في ب « وجده سيقة » .